المحظرة الموريتانية..المسار التاريخي:
أولا/ نشأة المحظرة وتطورها:
تقع الجمهورية الاسلامية الموريتانية”شنقيط” على شاطئ المحيط الأطلسي بشمال غرب إفريقيا وتحدها من الشمال دول الجزائر والمغرب ومن الجنوب مالي والسنغال، وقد دخل الاسلام إلى موريتانيا خلال القرن الهجري الثاني؛ وشهدت هذه البلاد قيام عدة دول أشهرها دولة المرابطين الكبيرة التي انطلقت مع عبد الله بن ياسين(ت451هـ ) حيث أنشأ رباطا “شبه مخيم” في موريتانيا لتربية أنصاره وطلابه للجهاد ونشر الاسلام في إفريقيا؛ فكان هذا الرباط تأسيسا لفكرة المحظرة، وجاء بعده الإمام الحضرمي(ت489)؛ ثم جاء إبراهيم الأموي(ت500هــ )، و انتشرت التجربة بشكل سريع في ظل دولة المرابطين التي تسمى “دولة الفقهاء” فكان لكل قبيلة رباطها ” أو محظرتها” وتطورت المحاظر لتصبح “مؤسسات تعليمية للتعليم المستمر يبدأ مع الطالب من أول مراحل الدراسة إلى غاية التخرج شيخا مؤهلا لتدريس جميع المعارف والعلوم”، ومع دخول الاحتلال الفرنسي إلى البلاد سنة 1905م كان عدد هذه المحاظر 800محظرة كبرى .
ثانيا/ خصائص المحظرة:
تختص المحظرة الموريتانية بخصائص من أهمها:
  1. 1.  التدرج في اكتساب العلوم: ففي المحاظر يوجد تسلسل منطقي لتلقي  العلوم، مراعاة للنمو العقلي والجسمي للطلاب، فيبدأ الطالب بالكتب الصغيرة والقصيرة أولا ثم يبدأ في التعمق بعد ذالك، كما ينبغي للطالب التفرغ لكتاب واحد حتى ينتهي منه ثم يأخذ غيره؛ يقول أحدهم :
وفي ترادف الفنون المنع جا          إذ توأمان اجتمعا لن يخرجا
وبهذه الطريقة التدريجية والمنهج التصاعدي استطاع القوم أن يوصلوا المعارف المحظرية إلى أبنائهم بسهولة حتى اليوم.
  1. 2.  تثبيت المعارف وترسيخها: فقد شاع المثل الموريتاني: (ألف قراءة للحفظ  ومائة مرة للشرح)؛ فكان الطالب يقرأ نص الدرس ألف مرة حتى يحفظه حفظا غير قابل للنسيان؛ ثم يراجع معناه مائة مرة بعد ذلك، وقد اتبعوا في ذلك طريقة متميزة تنطلق من كتابة الدرس، ثم حفظة، وبعد ذلك يقرأ على الشيخ ليشرحه جملة جملة أو بيتا بيتا، وهذه الخطوات متلازمة مترابطة ولا يسمح بتجاوز أية واحدة منها في عرف المحظرة الموريتانية، يقول أحد العلماء:
كتب إجازة وحفظ الرســــــم          ومن يقدم رتبة عن المـــــحل
                قراءة تدريس أخذ العـــــــــلم                 من ذي المراتب المرام لم ينل
  1. 3.  التشويق ووسائل الإيضاح: تعتمد المحظرة في التدريس منهجا تربويا يقوم على توضيح العبارة واستجلاء المعنى ، وذلك بضرب الأمثلة واستخدام أديم الأرض باعتباره سبورة تتيح للأستاذ فرصة الشرح والإيضاح ، وهذا ما أكده أحد الباحثين بقوله :ومن أنجع وسائل الإيضاح التصوير وتشخيص المعاني المدروسة ، فكما أن التعليم النظامي يهتم بهذا التصوير بالرسم فإن المحظرة تهتم بتصويره بالمسائل المرئية في حياة المجتمع وبوضع نقاط في الأرض والحكم على كل مجموعة منها ،ويعرف هذا بطرح الصور ؛ كما أن الموريتانيين حولو جميع المعارف إلى شعر جميل يسهل حفظه وضبطه؛ فنجد نظما من آلاف الأبيات للطب العام؛ وأنظاما في الفلك؛ وأنظاما في غرائب العلوم كلها.
  2. 4.  اختبار المعارف وتقويمها: هذا إجراء تلقائي يقوم به شيخ المحظرة دوريا ليرصد مستويات الطلبة و تطور مؤهلاتهم العلمية والسلوكية معا، ويستعين على ذلك بمنا ظرات المحظرة وألغازها، وربما بإسناد بعض المهام الخاصة كتدريس بعض المتون أو استنساخ كتاب أو التعليق عليه، ومما يساعد  شيخ المحظرة على تقويم مستويات الطلاب أنه يعيش معهم في محيط مفتوح ، آناء الليل وأطراف النهار ، يزورونه ويزورهم ، في أي وقت يجلس معهم على الأرض مباشرة ويحدثهم ويحدثونه ويجتمعون على مائدة واحدة؛ فيأكل مما يأكلون منه ويشرب مما يشربون؛ وخيمته مفتوحة لهم دائما، وبذلك ( يكون تقويم الشيخ أقرب إلى الدقة من تقويم الأستاذ أو عميد الكلية ، فشيخ المحظرة (لمرابط) درس جوانب شخصية الطالب كلها وعايشه، أما عميد الكلية فإنما يلقى الطالب في ساعات محددة، وهو يخاطبه من على كرسي يرمز للمسافة والحاجز بين المعلم والمتعلم .
  3. 5.  تأديب الطلاب: من التقاليد المحظرية العريقة أيضا احترام الشيوخ للطلاب؛ ومن ذلك أن الشيوخ يلتزمون الحدود الشرعية في تأديب الطلاب على ما قد يقعون فيه من هفوات: “إذا بلغ الشيخ أن أحد التلاميذ أساء بفعل أو قول، فإنه يعاتبه برفق،فلا يلتفت إليه حتى يعلم التلميذ ذلك من حاله، وحين يجتمع الطلاب يقول الشيخ:
وفعل ما لا ينبغي لا ينبغي          لتندغ ولا لغير تنـــدغ(تندغ قبيلة مشهورة بالعلم)
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك على جهة التعميم، فيقول: “ما بال أقوام يفعلون كذا، أو يقولون كذا”.
  1. 6.  تعليم النساء: التعليم في محاظر موريتانيا “شنقيط” لا يختص بالرجال فلا يوجد من بينهم ذكر أو أنثى إلا يقرأ ويكتب، وإن وجد غير ذلك فإنه نادر؛ وهو ما سمح بظهور نساء عالمات حتى اليوم؛ في العربية والقراءات والفقه والفلك(بعض النساء اليوم تعطي السند في العربية والقراءات السبع والسيرة النبوية).
  2. 7.  التطوع بالتدريس والفتوى: لا يأخذ لمرابط(شيخ المحظرة) الشنقيطي أجرا على التدريس أو الفتوى، وإنما يدرس و يفتي لوجه الله تعالى: “وليس للقاضي ولا للمدرس هناك أوقاف تصرف عليهما، ولا يأخذ أحدهما من الطلبة، بل قد يعطيهم من يده، والمفتى أيضا لا يأخذ شيئا في مقابلة الفتوى” ، وإذا كانت قبيلة المحظرة فيها أغنياء تكفلوا بإعاشة كل طلابها ولا زال ذلك جاريا في بعض الأماكن اليوم.
ثالثا/ المحظرة ومقاومة المستعمر:
        تعود بداية الأطماع الاستعمارية الفرنسية في موريتانيا إلى حدود منتصف القرن التاسع عشر ,لكن المشروع الاستعماري المسمى “المخطط الإجمالي لتنظيم القبائل البيظانية” الذي أعده “الجنرال كبلاني” وبدأ في تنفيذه سنة 1902م  لإحكام السيطرة على البلاد يمثل البداية الفعلية للاستعمار العسكري والسياسي والثقافي ..حيث بدأ في محاولة فرض ثقافته ومحاربة الثقافة السائدة قبله.
وهكذا رسمت الإدارة الفرنسية هدفها من التعليم وهو”تكوين الموظفين الضروريين للإدارة بهدف نشر لغتها وثقافتها وزرع محبة فرنسا في قلوب الشعوب المستعمرة” .
وقد تنوعت الأساليب التي اتخذها المستعمر في سبيل فرض ثقافته ومحاربة الثقافة الإسلامية تبعا للظروف وردود الفعل وكان من أبرز تلك الأساليب:
  • Ø  استخدام القوة: اتخذ المستعمر في البداية أسلوب القوة  لفرض ثقافته وأخذ يفرض المدرسة على أبناء الشعب وتمثل ذلك في الضغط على المحاظر والمدارس القرآنية والتهديد بإغلاقها ثم إرغام هذه المدارس على إجراء امتحانات للمتعلمين بها ثم إنشاء لجان للمراقبة وطرد التلاميذ من ست سنوات إلى ستة عشر سنة في أوقات افتتاح المدارس الفرنسية لينصرفوا إليها ، ومن ذلك ما تعرضت له “جمعية المسلمين لتعليم القرآن “التي أسسها الحاج محمود با سنة 1360هـ/1941م حيث استدعي إلى باماكو وأبلغته السلطات الفرنسية أن حرية نشاطه مشروطة بشروط كثيرة كان من بينها حظر تدريس التاريخ الإسلامي، ولكنه تمكن من تهريب بعثة طلابية إلى الأزهر سنة 1945م ثم عاد سنة:1954م فأوقفته السلطات الفرنسية للاستجواب واتهموه بتسفير الطلبة دون إذن من الدولة بل اتهموه ببيعهم والنيل من سيادة فرنسا في مصر، ثم سمحوا له بالتدريس بشرط إعادة الطلاب فعاد بعضهم ورفض آخرون وأنذر العائدون منهم بسجن آبائهم إن هم عادوا إلى الأزهر، ولكنهم اغتنموا فرصا لاحقة فواصلوا دراستهم بالأزهر.
  • Ø  الإغراء بالمال: أدركت فرنسا أن سياسة العنف لم تؤد أي نتيجة فعمدت إلى استخدام أساليب الترغيب فأصدرت سنة :1906م  مرسوما يقضي بصرف منحة شهرية(300فرنك فرنسي) لكل شيخ محظرة يأمر طلابه بتخصيص ساعتين لتعلم اللغة الفرنسية، ورغم ظروف الشناقطة الصعبة وحاجتهم الماسة فإن أيا منهم لم يتقدم للاستفادة من هذه المنحة وبذلك ولد هذا المرسوم ميتا، كما أنه رصد لتلاميذ المدرسة الفرنسية منحا تشجيعية لترغيب القوم في إرسال أبنائهم إليها إلا أن ذلك كله لم يغر الشناقطة ولم يستجيبوا له.
  • Ø  إنشاء مدارس فرنسية(إسلامية): بعد أن أدرك المستعمر الفرنسي أن أساليب القوة والإغراء بالمال لن يجعلا الشنقيطي يقبل المدرسة عمد إلى التنازل عن مسطرة المبادئ القاضية بالعمل على تعليم اللغة الفرنسية إذا أرادت فرنسا أن تجد أرضية حوار مع المواطنين فأخذوا في إنشاء مدارس إسلامية تقدم لأبنائها منحا مالية و ذلك لمحاربة المحاظر المنتشرة ومضت عشر سنوات من الاحتلال قبل أن يتمكن الفرنسيون من وضع الحجر الأساس لهذه التجربة، وبعد تأسيس مدرسة أبي تلميت سنة:1913م ولتعثرها انتظر الفرنسيون عشرين سنة استخدموا خلالها ذكاءهم ودهاءهم ووسائلهم المادية والمعنوية وفاقة السكان وفقرهم الشديد ليتمكنوا من افتتاح مدرسة ثانية في تمبدغة سنة 1933م, وثالثة في أطار سنة: 1936م, ورابعة في كيفه سنة:1940م، وكان تشييد أي مدرسة جديدة يسبقه صراع طويل وأمامه تعثر متواصل حتى ولو سجلت المدرسة نجاحا نسبيا كما حدث في مدرسة أبي تلميت  وكانت حصيلة 25سنة من التعليم في مدرسة أبي تلميت لم تتجاوز 350تلميذا تخرج ثلثاهم.
  • Ø  وقد اعتبر العلماء الشناقطة المدارس “نازلة فقهية” فلم يترددوا في تحريم إرسال الأطفال إلى مدارس الكفار الفرنسيين، مذكرين بأن “كل مولود يولد علي الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه”.
  • Ø  إتلاف المكتبات وسرقتها: كان من الأساليب التي لجأ إليها المستعمر الفرنسي في فرض ثقافته ومحاربة الثقافة الشنقيطية سرقته للمكتبات وإتلافها  منها حيث يعترف النقيب الفرنسي “غوستاف أودان” في دراسة له عن المحاظر في موريتانيا:1908م بإتلاف ثلاث مكتبات كبيرة حرقها العقيد “أفري”.
رابعا: شهادات المستعمرين:
اعترف المستعمرون بفشلهم في التأثير الثقافي بفعل تمسك الموريتانيين بالمحاظر وعلمائها؛ يقول الحاكم الفرنسي لموريتانيا”بيري” :”إن أصعب بلاد لاقينا فيها افتتاح المدرسة هي بلاد موريتانيا وذلك لثقافتهم السميكة لأنك لا تكاد تجد راعي إبل إلا وهو يترنم بالشعر الجاهلي حتى إنهم لأعلم بالعربية من جميع العرب, فمكثنا معهم سبع عشرة سنة نحاول وتبادل العلماء فيها الفتاوى في حكم إسلام الصغار لمدارس النصارى وبعد جهد جهيد أقنعناهم بافتتاح مدرسة واحدة؛ واشترطوا علينا شروطا قاسية منها: إحضار تفسير بن عطية والتفاسير المعتمدة وكتب الصحاح وأمهات الفقه, فأحضرنا لهم جميع ذلك لا رغبة فيه ولكن ليكون مشهيا للفرنسية”، وجاء في تعميم فرنسي يقضي بفرض اللغة الفرنسية :”ينبغي أن تفرض اللغة الفرنسية على أكبر عدد من السكان المحليين لتكون لغة الاتصال وأداة التفاهم على امتداد الإقليم، وقد أصبح لزاما على الشيوخ أن يتعلموا الفرنسية؛ من غير المقبول بعد أربعين سنة من الاحتلال أن نجد جميع الشيوخ غير قادرين على التحدث معنا مباشرة بدون ترجمان رغم أن علاقات عمل منظم تربطنا وإياهم”، ويقول الحاكم الفرنسي لموريتانيا “لغريه” : “لقد عالجنا مشكلة التعليم فور دخولنا موريتانيا ولكنها مشكلة حادة، لقد وجدنا أنفسنا في مستعمرات أخرى في ساحات فارغة أمام شعوب متلهفة إلى محاكاتنا، أما في موريتانيا فإن المقاومة الإسلامية لنمو نفوذنا عن طريق التعليم الفرنسي بدت مقاومة صلبة، إن الموريتانيين الذين أسلموا منذ قرون وكان لهم ومازال فقهاؤهم وعلماؤهم لا يمكن أن ينظروا لحضارتنا  بعين الإعجاب؛ ثم إن موريتانيا من البلاد التي تمثل فيها الثقافة قمة المجد، وبها توجد مدارس كثيرة ومكتبات تمثل شواهد حية كمكتبة شنقيط”.
خامسا/ يوميات طالب بالمحظرة:
تبدأ حياة الطلاب في المحظرة الموريتانية قبل صلاة الصبح بساعة تقريبا؛ حيث يستيقظون ويوقدون نارا كبيرة بالخشب ليراجعوا على ضوئها “وحسب المتداول بينهم أن ما قرئ على نار الحطب لا ينسى عادة”، وفي ذلك الوقت يكون الشيخ بجانبهم تارة يصلي وتارة يحل المشاكل المستعصية ويجيب على أسئلتهم؛ ويحفظون دروس اليوم الجديد تحضيرا لعرضها على الشيخ وتفسيرها لهم، فإذا صلو الصبح انصروف يراجعون ويذاكرون أيضا وانصر الشيخ يقرأ أذكاره وعادة ما تكون لشيوخ المحاظر في ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس خلوة بربهم عن الناس يتعبدون فيها؛ فإذا طلعت الشمس يبدأ الشيخ في شؤونه كعادة أهل الصحراء (حلب الإبل أو البقر والذهاب بها إلى المرعى وكل ذلك بمساعدة الطلاب وفي خلال ذلك يواصلون مذاكرة غرايب العلوم والمعارف بعيدا في جو شبه أخوي بلا حواجز؛ فإذا انتهو من ذلك عادة بعد طلوع الشمس بساعة يجلس الشيخ في مجلس علمه وأحيانا يكون في بيت من الشجر “الْعَرِيشْ” وينحلق حوله الطلاب ويجلس الجميع عادة على الأرض بلا فراش حتى يتمكن الشيخ من التوضيح لكل طالب من خلال الخط على الرمل والرسم عليه مباشرة؛ ويقدم كل طالب درسه الذي حفظه سابقا؛ ويشرحه له الشيخ جملة جملة وبيتا بيتا حتى يتثنه ضبط معناه؛ ويبقى الشيخ في هذا المجلس حتى بعد صلاة الظهر لكثرة الطلاب عادة؛ وكل طالب حين يقرأ درسه يذهب إلى أحد الطلاب المتقديم فيكرر له المعنى كما فعل مع الشيخ وبعد ذلك يذهب هو ويكرر المعنى لنفسه حتى يتقنه جدا؛ ثم بعد الظهر يأخذ لوحه ويكتب فيه درسا جديدا (ليوم غد) وفي المساء يتفرغ الطلاب لاستذكار محفوظاتهم ومراجعة استشكالاتهم على الشيخ الذي يواصل بعد العصر الجلوس للتدريس لمن لم يدرس أول النهار، وبعد صلاة المغرب يجتمع الشيخ وطلابه أمام الخيمة أو العريش في الهواء الطلق (موريتانيا بلد صحراوي يغلب عليه الجو الحار) ويذارك معهم غرائب العلوم ويسألهم عن عنها ويكون ذلك عن طريق الشعر عادة حيث يقول هو شعرا فيه سؤال ويجيب عليه أحد الطلاب بالشعر خصوصا؛ وأحيانا يكون لغزا صعيبا يتطلب نظمه قدرة فائقة ومعرفة كبيرة بالعربية وشواردها؛ وبعد أن يصلي الناس العشاء يعود الشيخ لخيمته والطلاب لخسمتهم ويراجع بعضهم لبعض ويتذاكرون بينم بالأشعار (سهرة الندوة الشعرية) وهي طريقة موريتانية رائعة لاستعراض القوة في الحفظ حيث يقرأ أحد الطلاب بيتا من الشعر والحرف الأخير منه يجب على الأخر أن يأتي ببيت جديد يبدأ بنفس الحرف وهكذا وقد يكون المشتركون فيها بالمئات وحين يعجر أحد عن المجيئ ببيت شعر يخرج لعبة الاستحضار والحفظ ويتواصل الخروج وأحيانا يصبح الصبح ولا زال في السباق عشرات لكثرة ما يحفظون من الشعر؛ ولا يقال في الندور الشعرية إلا الشرع العربي الفصيح الذي قيل قبل القرن الهجري الثاني(عهد الفصاحة العربية عند العلماء) وهكذا يطوي الطلاب يومهم بمزيد من التحصيل والمعرفة في انتظار يوم جديد لا ينامون قبل أن يعدو له حطبا يقرؤون على ضوئه في صباح يوم جديد.
 II.            المقرر العلمي للمحظرة الموريتانية:
   للمحظرة الموريتانية مقررات دراسية تعرف بـ” النصوص ” ؛ ويتم اعتمادها في التدريس ، حيث يقوم الطالب المحظري باختيار ” نص/(كتاب) ” معين فيقرؤه من البداية إلى النهاية وفق “حصص ” دراسية يومية ، ففي كل يوم دراسي ، يحدد الحصة ، فيقوم بقراءتها مستعينا بنجباء الطلبة الذين سبقوه إلى دراسة النص المذكور ، حتى يتمكن من قراءتها قراءة صحيحة ، ثم يقوم – بعد ذلك – بقراءة الحصة مرات عدة حتى يحفظها ، ثم يتوجه إلى مجلس الشيخ فيقرأ الحصة بيتا بيتا ، أو فقرة فقرة ، كل بيت أو فقرة يتوقف ليستمع أى شروح الشيخ ، وهكذا حتى تكتمل الحصة ؛ ليذهب بعدها إلى ” معيد”  أو أكثر  يقوم بإعادة شرح الشيخ ( التكرار ) ثم يكرره هو لنفسه محاولا ضبط ما سمع ، من شيخه ، وبعد ذلك  يبدأ التحضير لحصة الغد وهكذا …
تتنوع المقررات المحظرية ؛ فهي تشمل المختصرات النثرية ، والقصائد الفصيحة والشعبية ، لكن أكثر المتون رواجا في البئة المحظرية هي الأنظام التعليمية التي تمثل (النصوص ) المفضلة لدى علماء المحاظر .
   لقد كانت البيئة الشنقيطية الصحراوية تمثل البئة المفضلة لاحتضان الأنظام التعليمية ؛ فالطابع البدوي يساعد على تنمية موهبة الحفظ والاعتماد على الذاكرة ؛ خاصة وأن أوائل المؤلفين في البلاد اشتكوا كثيرا من انعدام وسائل الكتابة ، وقلة الكتب لديهم ، ولهذا نجد  الشيخ محمد اليدالي ( تـ 1166 هـ ) يذكر:” غيبة الكتب ” ويشتكي ” أن القلم غير مساعف ، ولا مداد إلا مداد صبيان المكاتب، والترثوث[1] ” …وهذا – كله – جعل الشناقطة  يميلون إلى النظم الذي لا يحتاج مؤلفه إلى ورقة أو قلم وإنما تجود به قريحة شاعرية جياشة تلقيه على آذان واعية ، فينتقل فينتقل من الشفاه إلى الصدور ويرويه كل جيل لمن بعده.
لقد دافع الشناقطة وبشدة عن الأنظام التعليمية بحجة أنها سهلة الحفظ ، ولعل أقدم من صرح بذلك الشيخ محمد ابن اب الغلاوي ( تـ 1140 هـ )  في مقدمة منظومته الشهيرة ” عبيد ربه ” إذ يقول :
وبعد فالقصد بهذا المنظوم     تسهيل منثور ابن آجروم
لمن أراد حفظه وعســرا    عليه أن يحفظ ما قد نثـــرا
ويقول الشيخ محمد المامي :
والنثر حفظه من القلائل       لا سيما إن كان كالدلائل
والنظم قهرا داخل الألباب     بغير إذن الانفتاح الباب[2]
إذا كانت الأنظام التعليمية تمثل العمود الفقري للثقافة المحظرية ويتجلى ذلك في جانبين هما :
1-  المقررات التعليمية الرئيسية ( المتون /التصوص) فقد كانت هي الغالبة وهذه النصوص المقررة تشمل مختلف الفنون المحظرية ، بعضها من إنتاج البيئة الشنقيطية ( نظم الرسم ، طلعة الأنوار ، وسيلة السعادة ، الواضح المبين ، أنظام ورقات إمام الحرمين ، نظم الرسالة ، كفاف المبتدي ، أنظام العلامة محمد مولود بن أحمد فال المختلفة ، عبيد ربه ، الغزوات ، عمود النسب ، نظم البعوث ، عمدة أوفى ….) وبعضها أنظام لعلماء من خارج القطر ( ابن بري ، إضاءة الدجنة ، ابن عاشر ، ألفية ابن مالك)
2- أنظام الفوائد : وهي عبارة عن مقطوعات يقوم من خلالها الطالب أو الشيخ بنظم فوائد يجدها في الكتب ، أو يسمعها من العلماء ، فيضبط بها مسائل لم تتعرض لها الأنظام المقررة ،وكثيرا ما يستشهد الشيوخ بهذه الأنظام أثناء عملية الشرح، وقد لا حظ بعض الباحثين أن أنظام الوائد تشمل مختلف أبواب المعرفة ، وقام بعضهم بتحقيق أنظام الفوائد التي صدرت من علماء بأعيانهم ، ومن نماذج هذه الأنظام : الأنظام النحوية التي قيد بها عدد من العلماء فوائد مستخرجة من شروح ألفية ابن مالك ، وقد أخرج الأستاذ محمد محفوظ ولد أحمد هذه الأنظام في كتاب خاص .
وإذا كان بعض الشناقطة ألف أنظاما مستقلة في مختلف الفنون المحظرية ، فإن بعضهم عمد إلى ظاهرة ( الاحمرار ) وهي أن يستدرك العالم على أحد مؤلفي الأنظام فوائد لم ترد في نظمه ، فينظمها هو ويدخلها في النظم السابق ويميزها عنه بكتابتها بالقلم الأحمر ، وأشهر هذه” الاحمرارات”  احمرار ابن بونا على  ألفية ابن مالك ..
كما عمد بعض الشناقظة إلى ترجمة بعض المتون النثرية إلى أنظام ومن أمثلة ذلك ما قام به محمد بن الغلاوي من نظم المقدمة الآجرومية في النحو ، وما قام به الشيخ محمد عبد الله ولد الحاج حماه الله القلاوي من نظم لرسالة ابن أبي زيد ، وما قام به الشيخ محمد المام من نظم مختصر خليل.
وسنعرض لهذه المقررات تباعا فيما يأتي :
1-    القرآن وعلومه:
غني عن البيان التذكير بأن القوم كانوا يبدءون دراستهم المحظرية بحفظ القرآن ويعدونه أفضل ما يسبق إلى الأفئدة الناشئة ، إذ هو غذاء للقلوب وضماد  للنفوس ودباغ للأذهان وكانوا بعد الحفظ يقرءون الدرر اللوامع على مقرئ الإمام نافع لابن بري بالإضافة إلى شروحه الكثيرة ، وكانت قصيدة الشاطبية من مقرراتهم القرآنية ، بالإضافة إلى مقدمة ابن الجزري ، ونظم الشوشاوي ، وكانوا في التفسير يرجعون إلى كتاب الإتقان للسيوطي ، وإلى تفسير الجلالين ، والطبري وابن كثير والقرطبي ، ومن أهم التفاسير المعتمدة عندهم تفسير الذهب الإبريز ، لمحمد اليدالي ، والمحتوي الجامع لرسم الصحابة وضبط التابع للطالب عبد الله الجكني ، وكشف العمى والرين عن ناظري مصحف ذي النورين لمحمد العاقب ابن ماياب ، وغير ذلك .
2-   الحديث وعلومه:
ننبه إلى أن دراسة الحديث في المحظرة الشنقيطية القديمة لما تنل حظها من التداول والتناول ، فظلت إسهامات القوم في  جنبه يسيرة مسجاة ، لأن بضاعتهم فيه أشبه ما تكون بالمزجاة ، وكان معتمدهم في هذا الجانب موطأ الإمام مالك وشروحه وصحيحي البخاري ومسلم والكتب الستة وألفية العراقي ، وطلعة الأنوار لسيد عبد الله ابن الحاج ابراهيم ، وغرة الصباح له .
3-    أصول الدين :
ويقصد بها العقائد و علم الكلام ، وكان لهم اهتمام كبير بهذا الحقل المعرفي ، فقد تداولوا ،  بين أظهرهم مؤلفات السنوسي وإضاءة الدجنة للمقري ، ووسيلة السعادة لابن بونه ، والواضح المبين لعبد القادر ابن محمد سالم ، بالإضافة إلى مقدمة ابن عاشر ، ومقدمة الرسالة ، وتلحق بهذا كتب المنطق ، وقد عولا على جواهر ابن الطيب ، ومختصر السنوسي ، والسلم الأخضري ، واحمرار ابن لعبد السلام ابن حرمه على السلم ، .
4-   الفقه وأصوله :
وقد عولا في الفقه على مختصر خليل وشروحه ، والرسالة وشروحها ، وعلى المرشد المعين وشرحه ، وكذلك نظم الكفاف ، لمحمد مولود بن أحمد فال اليعقوبي ،وقد خلفوا تراثا فقهيا خصبا ومتنوعا وفي الأصول كان معتمدهم على جمع الجوامع لابن السبكي وشروحه ، وورقات إمام الحرمين ، وكتاب مراقي السعود لسيد عبد الله ابن الحاج ابراهيم ، بالإضافة إلى كتب القواعد كالمنهج للزقاق وتكملته لميارة  وغير ذلك .
5-    اللغة العربية وآدابها:
وهي متعددة العلوم ففي جانب النحو كان مفزعهم إلى مقدمة ابن آجروم وملحة الإعراب للحريري ، ثم إلى مؤلفات ابن مالك ومؤلفاته من خلاصة وتسهيل ، ومثلث ومقصور وممدود ، ومنظومة عبيد ربه ، ومؤلفات ابن هشام وقد أسسوا لأنفسهم في النحو مقررات خاصة تجلت في كتاب :الجامع بين التسهيل والخلاصة المانع من الحشو والخصاصة لابن بونه .
وفي جانب المعجم كان معتمدهم ديوان الشعراء الستة الجاهليين ، ولامية العرب للشنفري ، وبانت سعاد وبردة البصيري ، وديوان غيلان ، ومقصورة ابن دريد ، وديوان المتنبي ،وغيرها ، وفي حقل البلاغة ركزوا على ألفية السيوطي في البيان وشرحها عقود الجمان ، دون أن ينسوا نور الأقاح لسيد عبد الله  وغير ذلك ، وفي جانب العروض اعتمدوا كتاب الوافي ، والخزرجي ، ونظم ابن عبد ام الشنقيطي.
6-    علوم الفلك والحساب :
في الفلك اعتمدوا شرح الممتع لأبي عبد الله محمد بن سعيد السوسي ن وبالإضافة إلى بعض القصائد الشعبية وبعض المنظومات المحلية في الحساب ، اعتمدوا أراجيز الرسموكي ، ومنظومة  السملالي ومنظومة الأخضري كذلك .
7-    كتب الرقائق والتصوف:
واعتمدوا منها مقدمة الأخضري وخاتمة ابن عاشر ، وخاتمة التصوف  وشرحها لمحمد اليدالي ، ومطهرة القلوب لمحمد مولود ابن أحمد فال ، بالإضافة إلى كتاب الجامع من مختصر خليل ، ومن الرسالة كذلك كما اعتمدوا متونا محلية أخرى تشمل الوصايا والتوجيهات وربما كملوا ذلك ببعض كتب الأفاق والأسرار .
8-    علم الطب والاستشفاء:
واعتمدوا فيه أساسا منظومة ” العمدة ” لأوفى ابن أشفغ موسى الشنقيطي ، وكذلك كتاب الحكمة للسيوطي.
ونذكر نموذج الشيخ أحمد بن اسليمان الموريتاني الذي ذكر فيه جوانب من المقررات المحظرية مشيرا إلى أهم المتون المسطرة في ألواح الطلبة الذين كانوا يدرسون معه ، مفتخرا بفتيان المحظرة ، وقد ركز في أبياته على المقررات الجاهلية والتمارين الإعرابية ، دون أن ينسى المتون البلاغية والمسائل المنطقية وعلم الحساب ، يقول[3] :
ومن لي بفتيان كرام أعزة
يخوضون في كل العلوم بفهمهم
فمن كاتب “قفا”طويلا وكاتب
ومن كاتب ” قف بالديار “وكاتب
ومن قارئ بان الخليط وقارئ
ومن منشد ” إن الخليط “ومنشد
ومن منشد يشدوا بأحسن صوته
ومن معرب يرمي فيعرب كلمة
فمن قائل تلك اسم كان أو اسم لا
ومن قائل تلك اسم فعل وقائل
ومن كاتب علم البيان ومقرئ
ومن قارئ علم البديع ومظهر
ومن كاتب عكس النقيض موضحا
ومن كاتب علم الحساب بخطه
ومن جائب عيشا كبيرا لقومه

يكونون أصحابي وأصحبهم دهرا
فهذا بذا أدرى وذاك بذا أدرى
وعلم أصول الدين يجعله ذخرا
” ألا عم صباحا ” أو “قفا نبك من ذكرى
“خليلي مرا “أو “سما لك شوق “اذ يقرا
“خليلي “أو ” تذكرت والذكرى ”
“دعا باسم ليلى “أو “إذا مضر الحمرى
من البيت إذ يرمي ويسقط في الأخرى
ومن قائل تلك اختصاص وذي إغرا
لقد حاز هذا بالمجاورة الجرا
لكاتبه إن شاء والحذف والقصرا
لقارئه التدبيج واللف والنشرا
لكيفية الصغرى وكمية الكبرى
إذا خطه قالوا له زد هنا صفرا
ومن جائب لحما ومن جائب تمرا

  1. III.            المحظرة الموريتانية..الواقع و الآفاق:
المحظرة كانت و لا تزال رمزا للعلم والمعرفة في موريتانيا رغم أنها في الفترة الأخيررة بدأت تشهد بعض الضعف والفتور خصوصا ومع توجه أغلب الشباب الموريتاني للتعليم المعاصر؛ ولا زال إلى اليوم يوجد كثير من المحاظر في بالد موريتانيا يقوم عليها مشايخ يلتزمون في أغلبهم بالسمت الذي كانت عليه المحظرة في الماضي ويرتبطون بالسلف عن طريق أسانيد وشهادات علمية تمتد لمئات السنوات وفي مختلف العلوم والمعارف، وقد شهدت موريتانيا عدة محاولات في الفترة الأخيرة تهدف لتحسين حالة المحاظر من جديدوالنهوض بها لأداء رسالتها؛ بعض هذه الجهود أخذ شكلا تطويريا إصلاحيا يجدد على مستوى الأشكال والمناهج؛ بينما التزم بعضها نفس المسطرة القديمة مع الاستفادة من ظروف التمدن والتحضر بدل حياة البدو الرحل في الماضي، مما يبشر باستمرارية هذا النوع من التعليم بالإضافة إلى محاظر عتيقة يرجع تاريخ البعض منها إلى قرون من الزمن و أخرى يرجع تاريخها إلى أكثر من مائة سنة و لا يزال الإقبال عليها معقولا من قبل طلاب العلم من موريتانيا وكل دول العالم وخصوصا إفريقيا، ومن تلك المحاظر: ــ محظرة العلامة لمرابط الحاج ولد فحف : و يرجع تاريخ هذه المحظرة إلى حوالي قرن من الزمن و قد تخرج بها خلق من العلماء من داخل موريتانيا و خارجها و ما زالت قائمة، ــ محظرة النباغية : و هي محظرة عريقة كذالك يرجع تاريخها إلى قرنين من الزمن ولا زالت تواصل عملها كالمعتاد.
ومنذ أعوام بدأت عمليات استنساخ لمحاظر عصرية تحتفظ بالمنهج القديم وتستخدم وسائل جديدة في التعليم (الحاسوب مثلا) ربما تضيف إضافة معتبرة على التعلم المحظري و لنضرب مثالا عليها :
ـ مركز تكوين العلماء ـ نواكشوط :
أسسه العلامة الموريتاني الشاب محمد الحسن الددو قبل عشر سنوات في العاصمة الموريتانية نواكشوط؛ ويدرس كافة الفنون الشرعية و اللغوية و الفلسفية و التاريخية على الطريقة المحظرية في إلحفظ والتلقي وزاد عليها الاستفادة من التقنيات الجديدة وتنظيم الدورات المختصة؛ واستقدم شيوخا من المحاظر التقليدية ودكاترة تربويين مختصين موريتانيين كانو يعملون في جامعات فرنسا والسعودية وغيرها.
نماذج من خريجي المحاظر  الموريتانية:
1 ) العلامة محمد محمود ولد التلاميد التركزي الشنقيطي (1245هـ ــ1824م ) ـ (1322 هـ ـ 1904 م) :
درس في المحاظر حتى أتى على جميع ما يُقرأ هناك و يدرس و هو غض الإهاب ثم ارتحل عن وطنه الأم رحلة استمرت طيلة أيام حياته رحمه الله و بعد وقفات عديدة في الجزائر و بلاد الحرمين سافر إلى تركيا ليحل بالقسطنطينية ضيفا مكرما معززا فيما علم الخليفة السلطان عبد الحميد الثاني بقدوم هذا الضيف الكبير ليستدعيه و يكلفه بمهمة البحث عن الكتب الإسلامية و العربية في مكتبات اسبانيا و أوروبا و أعطاه سفينة و خادما و مؤذنا و كاتبا لإتمام الرحلة على أكمل وجه و أتمه انطلق الشيخ حوالي سنة 1304هــ ليتم مهمته بنجاح فكانت أول محطاته هي إسبانيا ليتجول بين رفوف مكتباتها العملاقة و بعدها ذهب إلى لندن ثم إلى باريس ليختم رحلته بالرجوع إلى القسطنطينية مقدما للأمة كتابا سماه : ( أشهر الكتب العربية الموجود في خزائن مكتبات دولة إسبانيا ) في حين خلد تلك الرحلة بقصائد طويلة يحن فيها لبلاد الحرمين و دولة الإسلام .
شاع ذكر الشيخ في البلاد حتى في البلاد الغربية و كان ذالك واضحا في سنة 1306هــ  حيث وجه ملك السويد دعوة للسلطان العثماني عبد الحميد لإرسال وفد من كبار علماء المسلمين يرأسه الشيخ الشنقيطي فبعث الخليفة إلى الشيخ فأبرز استعداده للمهمة ناظما قصيدة رائعة بلغت أبياتها 250 بيتا ليلقيها في المؤتمر إلا أن الأقدار شاءت خلاف ذالك كانت المحطة الأخيرة في حياة الشيخ هي جمهورية مصر العربية حيث قضى فيها الشيخ آخر أيامه و تفرغ فيها للتأليف و التدريس فحقق كتبا من أمهات كتب اللغة العربية و ألف أخرى و في تلك الفترة انتدبه الشيخ محمد عبده رسميا لتدريس اللغة العربية في الأزهر فأدى المهمة على أكمل وجه و استفاد منه هناك خلق لا يحصون كثرة، وقد شهد له الكثيرون بالفضل و العلم والموسوعية:
ـ طه حسين : كان أولئك الطلبة الكبار يتحدثون بأنهم لم يروا ضريبا للشيخ الشنقيطي في حفظ اللغة و رواية الحديث سندا و متنا عن ظهر قلب ….
ـ محمد رشيد رضا ( صاحب مجلة المنار المصرية ) : إنه العلامة المحدث الذي انتهت إليه رئاسة العلوم في الديار المصرية ….
ـ و يقول عنه سفير السويد بمصر و هو مستشرق مطلع على معارف اللغة العربية :
كان رجلا عربيا قُحّاً من صميم العرب لغة و عادة و منشأ و مسكنا …
توفي في القاهرة يوم الجمعة 23 شوال سنة  1322 هـ  رحمه الله تعالى رحمة واسعة .
2) العلامة محمد الأمين ولد المختار الشنقيطي ( 1325هـ ــ 1905م ) ــ ( 1393هـ ــ 1973م):
هو العلامة المحدث المفسر اللغوي الأصولي الفقيه الذي شهد له خيار أهل زمانه بالعلم و الورع و الذكاء توجه إلى المشرق بعد تخرجه من المحاظر لأداء فريضة الحج على نية الرجوع إلى بلده شنقيط إلا أن المقام طاب له هناك بجوار الحرمين الشريفين كما أبدى أعيان تلك البلاد و علماؤها سرورهم بمقامه فنهلوا من علمه و استفادوا منه علوما لم تكن تدرس في تلك البلاد إلا مقدماتها كأصول الفقه و المنطق و البلاغة و النحو فأفاض الشيخ عليهم من معينه فدرس و أفتى و ألف كتبا لم يسبق إليها في الإسلام و لعل أبرزها كتاب : أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن .
و لقد كان له الفضل بعد الله تعالى و نخبة من العلماء في النهضة العلمية التي شهدتها بلاد الحرمين في تلك الفترة إلى أيامنا هذه و قد كان رحمه الله من المؤسسين للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فدرس فيها كما درس في المعهد العلمي بالرياض كما كان عضوا في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي و عضوا في هيئة كبار العلماء عند تأسيسها و لقد طبق منهج أسلافه البررة في شنقيط حيث كان محظرة متنقلة تخرج على يديه خلق لا يحصون كثرة، و فيما يلي شهادات لبعض معاصريه :
ـ الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ : ملئ علما من رأسه إلى أخمص قدميه آية في العلم و القرآن و اللغة و أشعار العرب .
ـ العلامة و المحدث ناصر الدين الألباني : يذكرني بشدة حفظه واستحضاره للنصوص بشيخ الإسلام ابن تيمية .
ـ الشيخ بكر أبو بكر : لو كان في هذا الزمان أحد يستحق أن يسمى شيخ الإسلام لكان الشيخ محمد الأمين .
3 ) العلامة الشيخ عبد الله ولد الشيخ المحفوظ بن بيه حفظه الله :
ولد الشيخ سنة 1935 و هو أحد أكبر علماء السنة في هذا العصر تلقى علومه المحظرية في شنقيط و لعل ما بوأه هذه المكانة الآنفة الذكر أن أباه كان أحد أكبر علماء البلد آنذاك و قد درس على غيره من العلماء إلى أن أتى على كل ما يدرس هناك من الفنون شغل حقائب وزارية متعددة في بلده قبل أن يسافر لنشر دين الله و بث العلم في صدور الرجال .
يعتبر الشيخ حفظه الله عضوا فاعلا في الساحة الإسلامية فكريا و عمليا من خلال محاضراته و أنشطته و كتبه التي أضاف فيها إضافة معتبرة إلى المكتبة الإسلامية .
 شارك في كثير من المؤتمرات العالمية و الدولية .
و هو يشغل الآن :
ـ رءيس المركز العالمي للتجديد و الترشيد في لندن بابريطانيا .
ـ نائب رءيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين .
ـ عضو المجمع الفقهي الإسلامي .
ـ عضو المجلس الأوربي للإفتاء و البحوث .
ـ عضو في المجلس الإسلامي الأعلى للمساجد .
ـ عضو مؤتمر العالم الإسلامي ـ كراتشي .
ـ الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن و السنة .
ألقاب و جوائز :
ـ حاصل على وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الممتازة .
ـ تم اختياره من قبل جامعة جورج تاون كواحد من أكثر 50 شخصية إسلامية تأثيرا لعام 2009 .
ـ فاز بلقب  ( أستاذ الجيل ) في جائزة الشباب العالمية لخدمة العمل الإسلامي في دورتها السابعة في دولة البحرين .
ـ كما يتقن اللغة الفرنسية إتقانا فائقا إضافة إلى اللغة العربية التي هي لغته الأم .
شهادات بعض معاصريه :
شهد له غير واحد من معاصريه بالعلم و الفضل و لعل من أبرز أولئك الدكتور العلامة يوسف القرضاوي .
 ـ إسلام عبد العزيز فرحات ـ مصر : لعل الجمع بين ما لا يمكن الجمع بينه هو كلمة السر في شخصية العلامة الفقيه الدكتور عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه.وهذا ما فطن إليه قرين دربه العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حين قال عنه: “يجمع بين المحافظة والانفتاح، فهو رجل محافظ ولكنه ليس منغلقاً، ُميسِّر ولكنه ليس متسيبا .
ـ الدكتور علي العمري ـ السعودية : سماحة العلامة الشيخ عبد الله بن بيَّه أنموذج لعلماء الأمة الأكابر، وأستاذ قدوة، ومفكر مرشد، وأحد أعمدة النهضة العلمية في البلاد العربية و الأوروبية و سماحة الشيخ عبد الله -حفظه الله- يرغم كل من جالسه إلى الإنصات إليه، واحترام رأيه، والأنس بتوجيهه، والوقوف ملياً عند زهده وورعه .
ـ الدكتور عوض بن محمد القرني ـ السعودية : لعل من العلماء والفقهاء القلائل الذين عرفتهم بالجمع بين الفقه بالنص الشرعي وحفظه وفهمه واستيعابه ، وفقه واقعه وتنزيله على ظروف الزمان والمكان ، فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن بيَّه عرفته وعرفته الساحات الإسلامية بآرائه الفذّة واجتهاداته الواسعة في شتى أبواب الشريعة.
و ما من قطر في العالم الإسلامي اليوم إلا و تجد فيه تلاميذ للشيخ هم من خيرة طلبة العلم في هذا الزمن .
4 ) العلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو حفظه الله :
ولد العلامة الشيخ الشاب عام 1964 تلقى دروسه الأولى على يدي والدته التي كانت من كبار العلماء فحفظ القرآن و درس عليها مبادئ الفنون و أخذ عنها سندا في القراءات العشر لينتقل إلى محظرة جده الشيخ العلامة محمد على بن عبد الودود الذي صحبه إلى وفاته سنة ( 1401هــ ــ 1982م ) و حينها كان عمره 18 عاما و كان وقتها قد درس عليه كل العلوم و الفنون من حديث و تفسير و نحو و صرف و منطق و بيان فقه و أصول فقه و تاريخ و سير فأعطاه الإجازة المطلقة بالإفتاء و التدريس في المعقول والمنقول و روى عنه كتب الحديث عامة بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و بعد وفاة جده لزم أخواله الثلاثة و هم علماء أجلاء فنهل من معينهم كما سافر إلى السعودية للدراسة فحصل على درجة الماجستير هناك و لقد ذكر أنه زار حوالي أربعين دولة إسلامية ليستفيد و يفيد في تلك الرحلات فاشتهر ذكره فما من عالم إلا و يثني علي علمه و ورعه و تقاه و كعلماء الأمة المخلصين لم يخل الشيخ من الابتلاء فقد تعرض للسجن في بلاده عدة مرات في الفترة ما بين 2000 و 2004 و أوذي كثيرا لكنه أبلى بلاء الرجال فصبر في سبيل الله إلى أن جاء الفرج من الله .
 له الكثير من الأنشطة كالندوات و المحاضرات و الدورات العلمية و الدروس القيمة في أرجاء العالم استفاد منها آلاف البشر بل الملايين .
ـ أنشأ في بلده مركز تكوين العلماء بموريتانيا(أشرنا إليه سابقا) و اختار له نخبة من المتخصصين الدكاترة و لفيفا من العلماء و خيار طلبة و سنتحدث لاحقا عن هذا المركز إن شاء الله تعالى .
ـ عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين .
ـ عضو المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي .
و قد شهد له العلماء بالرسوخ في العلم و الذكاء المفرط و الورع و التقى و لعل من أبرز أولئك :
العلامة المرحوم الشيخ محمد سالم بن عبد الودود الذي يقول في أبيات يوصي فيها أبناءه و مقربيه :
وَمُحَمَّدُ الْحَسَنُ انْهَلُوا مِنْ علمهِ … و ترَسَّمُوا من هَدْيهِ مَا اسْطَعْتُمُ
و ذكر غير مرة أنه من الراسخين في العلم .
ــ شيخ علماء موريتانيا العلامة الكبير بداه بن البوصيري رحمه الله الذي قال عنه :
إني لأستحي أن أسلم عليه و أنا جالس .
و غيرهم كالدكتور عائض القرني و علماء آخرون .
5) الشيخ حمزة يوسف الأمريكي حفظه الله :
ولد الشيخ مارك هانسن سابقا و يوسف حمزة حاليا عام 1960 في والا والا بالعاصمة الأمريكية واشنطن من عائلة يونانية أرثوذكسية أراد الله به الخير فدخل الشيخ حمزة الإسلام في 18 من عمره عام 1977 سافر الشيخ حمزة إلى بلاد الإسلام ليتعرف على شنقيط من خلال سنوات أربع قضاها في الإمارات حيث سفراء المحاظر هناك يعلمون الناس ما جهلوا من شريعة الإسلام فسجل في إحدر الجامعات و تتلمذ على يدي نخبة من علماء شنقيط فأعجبته طريقتهم فقال بلسان حاله يمكنني أن أكون مثل هؤلاء فسافر إلى شنقيط و ذهب إلى الشرق الموريتاني و لازم المرابط الشيخ العلامة الحاج ولد فحف سنوات عديدة في منطقة بدوية جبيلة يتنقل الناس إليها آنذاك بوسائل النقل القديمة فتعلم من علمه الكثير و قد كابد مشاقا صعبة في تلك الفترة حيث الفقر والحر و هو ما لم يتعود عليه في بلده لكن همته العالية كانت أعظم من كل ذالك تخرج على يدي لمرابط ولد فحف ليرجع إلى بلده متأثرا بفكرة ا المحظرة الموريتانية وتتلمذ بعد ذلك على الشيخ بن بية ولا زال التلميذ المقرب منه .
ـ أنشأ الشيخ حمزة يوسف محظرة موريتانية بطريقة عصرية هناك في أمريكا سماها( معهد الزيتونة ) تدرس شتى الفنون كما كان له دور كبير في سير حركة أسلمة أمريكا وأوروبا حيث دخل الكثير من الناس على يديه في دين الله أفواجا و له الكثير من الدروس و المحاضرات و الأنشطة الدعوية داخل بلده و خارجه .
و هو الآن عضو في كثير من الجمعيات و المؤسسات لعل من أبرزها :
ــ مؤسس معهد الزيتونة للدراسات الشرعية و اللغوية و العقائدية بالولايات المتحدة .
ــ مدرس في المعهد نفسه .
ــ نائب رءيس المركز العالمي للتجديد و الترشيد و رءيسه كما سبق و أن ذكرنا هو شيخه العلامة عبد الله بن بيه الشنقيطي .

[1] محمد اليدالي فرائد الفوائد ص5(مخطوط)؛والترثوث: نبات يستخدم في إنتاج الحبر الأولي.
[2] انظر بويمة ولد ابياه الشيخ محمد المامي مجلة الشعاع العدد2 ص64المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية 1984م.
[3] المحاظر الموريتانية وآثارها التربوية.