اعلام من موريتانيا

سيد أعلامنا المرحوم الشيخ الجليل البارز بداه ولد البوصيري

 وهوالشيخ العلامة محمدو الملقب بداه ولد محمدو ولد حبيب ولد أحمدو ولد البصيري بعد أربعة أشهر من وفاة والده متسميا باسمه وتربى في حجر جده لأمه الشيخ العلامة محمدو ولد حبيب الرحمن وحفظ القرآن مبكرا وهو دون التاسعة من عمره،كما أخذ العلوم على جم كبير من العلماء من بينهم الشيخ أحمدولد أحمذيه الذي أخذ عليه علوم القرآن والتفسير،وظل إلى أيامه الأخيرة في الدنيا يثني عليه ويقول ’’ذلك شيخي أحمدو..من مثل أحمد في العلماء..’’ كمأ أخذ علىالشيخ المختار ولد ابلول العلامة المصلح والداعية الشهير،كما أخذ على الشيخ محمد سالم ولد ألما والشيخ محمد عالي ولد عدود، والشيخ سيدي الفالي ولد محمودا، وعرف الشيخ منذ شبابه بالورع والصرامة في الحق والدفاع عن السنة والحرص على نشر الخير والدفاع عن الدعاة إلى الله. وفي سنة 1957 م نزل الشيخ بداه ولد البصيري في سهل نواكشوط ،بعد أن ظل لسنوات يسأل الله تعالى أن ’’ ييسر الله له منزلا في الحضر يقرأ فيه كتبه ’’ ويروي تلاميذ الشيخ أنه في إحدى رحلات البدو بين روصو ونواكشوط نزل الشيخ في قرية لكصر التي كانت مساكن قليلة جدا،وأمام إلحاح من ساكنة لكصر وتهديدهم باللجوء
إلى القضاء لثني الشيخ بداه عن الرحيل عنهم أقام الشيخ محظرته ومسجده لينطلق من بيت صغير من الطين إشعاع محظرة وتاريخ علم من أعلام الإسلام
والمسلمين.
وانطلق الشيخ يدرس ويفتي ويصلح بين الناس،وكان يحب طلابه غاية الحب ويأسف كلما غادر أحد الطلاب المحظرة،قبل أن يستكمل النظام الدراسي
القديم،كما حافظ على دروسه العامة وخصوصا درس التفسير الذي بدأه في مساجد البادية،عندما أجازه شيخه العلامة أحمدو ولد أحمذيه في التفسير
والقرآن،وكان يولي درس التفسير عناية خاصة،ورغم موسوعيته الفائقة،فقد كان يقوم بالتحضير للدرس،وظل محافظا عليه إلى سنواته الأخيرة في نواكشوط قبل
أن يقعده المرض. درس الشيخ كل فنون المعرفة الشرعية فقها وتفسيرا ولغة ومنطقا وبلاغة،و كان مدينة علم مسورة بالإيمان والإحسان وكان صورة طبق
الأصل من الرعيل الأول،فيه تدفق مالك وموسوعيته ونحو ابن مالك وفصاحته وبلاغته،وفيه من البخاري ومسلم الصحيحان والمسانيد،وكان إمام
الحرمين في الأصول والعز بن عبد السلام في الصدع بالحق.وكان الجنيدي وعبد الله بن المبارك في الموسوعية والعلم والعبادة والربانية وكان أب الدعاة
إلى الله ومأواهم وإمامهم،فالشيخ فقيد الإسلام وفقيد الوطن ورحيله خسارة لمئات السنين من علم الشناقطة،وآلاف المجلدات من العلوم والفنون والمعارف
..

 فقد ولد شيخنا المرحوم محمد و الملقب بداه ولد البوصيري في عام 1919 وتلقى كل تعليمه في المحاضر (المدارس التقليدية)، ثم أصبح أحد أبرز شيوخ ومدرسي هذه المحاضر التي شكلت لقرون من الزمن المؤسسات التعليمية الوحيدة في البلد.
وقد أشرف ولد البوصيري على تطبيق الشريعة الإسلامية في عهد الرئيس الأسبق محمد خونا ولد هيداله في الفترة من 1980 إلى 1984، حيث كان يصدر فتاواه التي تأخذ بعدا رسميا في كل مناحي تطبيق الشريعة الإسلامية في فترة ولد هيداله.
ويقول ذووه والمقربون منه إنه حفظ القرآن الكريم برواية الإمام نافع وهو ابن سبع سنين، قبل أن يأخذه بروايات أخرى بعد ذلك، ثم تبحر في علوم الشريعة واللغة العربية على يد العلماء المعاصرين له في أنحاء المنطقة الصحراوية قبل ميلاد الدولة الموريتانية الحالية، وقبل أن تأخذ خريطة البلاد شكلها الحالي.
جالس الشيخ بداه ولد البصيري كوكبة من خيرة علماء شنقيط كالشيخ محمد سالم ولد ألما والشيخ محمد ولد المحجوب ،والشيخ محمد عالي ولد عبد الودود،والشيخ المختار ولد أبلول،فنا العلم وثناء العلماء. كتب عنه الشيخ العلامة المختار بن أبلول تقريظا في مقدمة كتابه " أسنى المسالك " جاء فيه إنه الإمام العلامة المتقن ، ناصر السنة ، قامع البدعة .
و قال عنه الشيخ محمد أحمد بن عبد القادر القلاوي : إنه العلامة الجليلالنبيل ، الذي ليس له فيما يعانيه من مثيل ، ولا يكون له به كفيل ، وما ذاك إلا لخلو البلاد ممن يدانيه ، ولا قريب من مبانيه ، لقيامه بالسنن عندما أميتت ، و إماتته للبدع بعدما أبيحت.
.عرف الشيخ بداه ولد البصري خلال العقود الخمسة الماضية كأبرز علماءالدولة الموريتانية وأكثرها حضورا في المشهد الفقهي من خلال محاضراته الدائمة في مسجده المتواضع شكلا الرفيع قدرا بمقاطعة لكصر، وأصلبهم عودا في وجه السلطان حتي لقب في أوساط الإسلاميين ب"الوالد" . أمتاز الشيخ بداه ولد البصيري باستقلالية الرأى عن الجميع ،فكانت دروسه موعدا مع النصح والتذكير بأيام الله ،متوازنا حد الاعتدال ،ورعا حتى الابتعاد عن مظان الشبه ، وكانت كلمته الخالدة التي يرددها دائما "الحمد
لله الذي من علينا بالعيش من دون راتب أو مساعدة من الدولة".
برحيل الشيخ بداه ولد البصيري والشيخ محمد سالم ولد عدود تكون الدولة الموريتانية قد خسرت الكثير من علمها وعلمائها ورموز الإصلاح والتغيير فيها، مآذن شامخة كانت إلي وقت قريب أداة توازن واستقرار يلجأ إليه الناس بعد رب العالمين كلما أدلهمت الخطوب وأحلولكت ظلامات الفتن بحثا عن النصح ،وأخذا برأى العالم الورع في أمور الدين وأحوال الدنيا القلب . اشتهر ولد البوصيري بين الناس بقول الحق أمام الحكام، وكانت مواقفه القوية في وجه حكام البلاد منذ استقلالها وحتى سنواته الأخيرة مثار حديث وإعجاب واهتمام من قبل كل الموريتانيين.كما اشتهر أيضا بقيادته لأول مظاهرة ضد القوانين الوضعية المخالفة للشريعة في البلاد، حيث قاد مظاهرة مشهورة لإلغاء ما يعرف بدستور ولد ابنيجاره الذي كان رئيسا للوزراء في مطلع الثمانينيات، وهو أول دستور للبلاد يوصف بأنه علماني، لكن السلطات تراجعت عن ذلك الدستور بعد الضغط المكثف الذي قاده ولد البوصيري وقتها.
كما عارض بشدة الاعتقالات التي نفذها نظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع لمجموعات من أئمة وعلماء البلاد، ووقع على فتوى تحرم التطبيع مع إسرائيل، قبل أن يضعفه المرض، ويلزم فراشه منذ عام 2003 تقريبا.
له الكثير من المؤلفات في المجالات الفقهية والشرعية عموما، كما اشتهر أيضا بالزهد فيما تقدمه الدولة من مزايا وخدمات وهدايا ظل يرفضها باستمرار رحمة الله عليك من والد و عالم و شيخ و فارس

المرحوم العلامة محمد سالم ولد عدود

 هو العلامة محمد سالم بن محمد علي ابن عبد الودود - الملقب عَدُود - الهاشمي اليعقوبي الموريتاني (1930م بتلميت 29 4 2009 واد الناقة )
رحمنا الله واياه رحمة واسعة.
درَسَ على والديه جميع العلوم الشرعية واللغوية حتى برَّز في جميعها على حداثة سنه .
وهو من أكابر علماء الأمة الأسلامية, برع في علمي اللغة النحو العربي
،وله مؤلفات في الفقه المالكي , ، فهو يلم بكثير من اللغات ولو على وجه
الطرفة ويعرف اشياء من علم النجوم وعلوم الأفلاك وعلوم الرمل وأشياء من
الحساب وأشياء من عادات الناس وطبعاتهم ولهجاتهم مما تكل به جهود كثير من
المدعين في مثل أعصارنا وصفه أحدهم بأنه مكتبة تمشي على قدميها ماشاء
الله. توجد محظرته في قرية أم القرى وهو خال العالم والداعية الإسلامي
المعروف محمد الحسن الددو.
وقد تولى الشيخ منصب القضاء نائبا لرئيس المحكمة الابتدائية ، ثم نائبا
لرئيس المحكمة العليا ورئيسا للغرفة الإسلامية فيها فترة طويلة ، حاول
خلالها جاهدا إلغاء القانون الوضعي في البلاد واستبداله بقانون شرعي حتى
تم له بعض ذلك ، ثم عُين الشيخ رئيسا للمحكمة العليا ، ثم وزيرا للثقافة
والتوجيه الإسلامي ، ثم رئيسا للمجلس الإسلامي الأعلى. والشيخ عضو في
المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي ، وفي المجمع الفقهي للمؤتمر
الإسلامي ، وفي المجلس العلمي للأزهر ، وفي الأكاديمية المغربية ، وللشيخ
مؤلفات أكثرها منظومات ..)) أهـ وفاته
وكانت له مباحثات مع علماءعصره ثرية ومن تتبع مجلة المجمع الفقهي بجدة ومشاركات الشيخ فيها
سيدرك ما للشيخ من ثقوب ذهني وعمق فهمي ، وكان رحمه الله يرتجل قصيدة كما يرتجل
الكلام العادي وله تلاميذة كثيرون في أقطار الأرض ، وكانت محضرته في أم
القرى تعج بجميع طلبة العلم من شتى القارات وممن جرت بينهما مشاعرة أدبية
فقهية رصينة العلامة المحدث محمد الحاج بن محمد أحمد الحسني ثم الأدرعي
رحمهما الله ت 1423هـ -من كبار علماء شمال مالي تتعلق بحكم الأوراق
النقدية ، ومطلع قصيدة الشيخ محمد الحاج

ياسادتي هل من لبيب منصف
أو منقذ من صوب جهل مقصف


هل من مجيب عن عجيب رابني
أو من نجيب بالرغائب متحف


ومطلع إجابة الشيخ رحمه الله
هذي مسائل سائل متعرف
طبن بتوجيه الكلام مصرف


إلا نجبه نلته حق سؤاله
ومتى نجب نهرف بما لم نعرف


ومطلع القصيدة التي أجابه به الشيخ محمد الحاج بعد ورود قصيدته عليه
أشاقتك أم الخشف أم شاقك الخشف
أم ارتعت حتى ما تمكنك الكشف


أم اظعنت بالقلب منك ظعائن
أممن ربى نجد وخلفت من خلف


وكان آخر المكاتبات العلمية بينهما أن أرسل إليه الشيخ ولد عدود كتابا في رجال الحديث وهو المنفردات الوحدان للإمام مسلم ،فكتب عليه
أهدي إلى محمد ذي الوصف
بالحج شكري وودادي أصفي


أجزي لباب بره بعصف
دخن فما هذا إذن بالنصف


أسقى زلال رصف بالرصف
قرضا فكيف لي برد النصف


وأرسل إليه الثاني رسالة أهدى إليها فيها مقدمة نظمه.
في السنوات الأخيرة تفرغ عدود لمحظرته في قرية أم القرى ( 58 كلم) شرق
العاصمة نواكشوط وترك العمل الرسمي باستثناء المحاضرات التي كان يلقيها في
برنامجي روضة الصيام والسمر الرمضاني في الشهر الفضيل، خلال العقود
الأخيرة وقد اكتسبت محظرته في العشرين عاماً الماضية شهرة عالمية بالإضافة
لشهرتها المحلية حيث وفد إليها الطلاب من المغرب العربي والخليج وأفريقيا
كما وفد إليها مسلمون جدد من أمريكا وأوربا.

و يقول عنه العلامة الشيخ محمد الحسن ول الددو


منح
الله الشيخ محمد سالم ولد عدود رحمه الله ذاكرة قوية وهيأ له الأسباب
بوجود والده ووالدته وهما موسوعتان فدرس عليهما مختلف العلوم الشرعية
وتبحر فيها، وكان كل العلوم التي تدرس في هذه البلاد لديه سواء (...) كان
أيضا على إلمام ببعض العلوم الأصلية التي يحتاج إليها الفقيه والمحدث
والقاضي والداعية
فلم يكن منغلقا على الكتب الصفراء ولم يكن حبيس المكتبة بل كان ذهنه سائلا
وكان يطلع على المحافل العلمية وما فيها وعلى وسائل الإعلام وما تنشره
المكتبات من الدراسات الحديثة ويشارك في المؤتمرات ويلقي الباحثين
المبدعين ويستمع إليهم ويصحح ويقوم ويركب الأفكار من خلال ثقافته التي
مصادرها متنوعة..
ويمكن أن نقسم العلوم التي تبحر فيها الشيخ إلى سلالات، فمنها – مثلا- علم
القرآن الذي يشمل سبعة علوم: علم الأداء الذي هو علم التجويد، وعلم
القراءات، وكان في تطبيقه وقراءاته حريصا على قراءة نافع وقلما يقرأ
بغيرها.. والعلم الثالث علم التفسير وللشيخ إبداعات كثيرة في المقارنات
والمقاربات في القرآن.. والعلم الرابع من هذه السلالة هو علم الرسم والضبط
وهو من المتخصصين فيه وقد أخذه عن والدته رحمة الله عليها وكانت متقنة
لهذا الفن (...).
والفن الخامس من هذه السلالة هو علم علوم القرآن وهذا العلم يشمل العلوم
المتعلقة بالقرآن التي جمعت تحت عنوان واحد كعلم أسباب النزول وعلم المكي
والمدني وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم الشتوي والصيفي وعلم الترجمة ونحو ذلك،
وهذا العلم ألف فيه الكثير من الكتب، والشيخ كان متخصصا فيه لأنه درسه وهو
صغير.
العلم السادس من هذه السلالة هو علم تاريخ التفسير، والشيخ له مهارة
تاريخية عجيبة في المقارنات في الكتب يرتبها حسب تاريخ مؤلفها ويحكم
بالتصحيح والتضعيف بالتاريخ، فمثلا في كتب السيوطي يقول في ترتيبها في
أبيات له:
ما ذكر الخلال في الإتقان
وفي عقوده من الجمان
من منع الاقتباس عند مالك
أكثر في تنويره الحوالك
من رده ونسب الفشاري
لمن إلى تحريمه أشارا
أقول والتاريخ بالتأخير
يحكم للتنوير حاوي الخير.
الفن السابع هو علم طبقات القراء والمفسرين.. والشيخ له عناية بهذا الجانب لأنه من المتعلقين بالإمام الذهبي..
أما السلالة الثانية التي برز فيها الشيخ محمد سالم واشتهر بها في هذه
البلاد هي سلالة علم الحديث، وتشمل سبعة فنون أيضا منها: علم المصطلح، وقد
حفظ ألفية العراقي وأتقنها وهو صغير وحفظ عددا كبيرا من كتب شروحها ومن
غيرها.
الفن الثاني هو علم الحديث رواية، وقد اجتهد في طلب الرواية وأجازه عدد
كبير من مشايخ الحديث، وأول من أجازه من المشاهير الشيخ محمد طاهر بن
عاشور في تونس وهو مؤلف كتاب \\"التحرير والتنوير\\" (تفسير القرآن) ومؤلف
كتاب \\"المسوي في شرح الموطأ\\" ثم أجازه عدد من علماء الحجاز والشام
والهند في كتب الحديث. 

والعلم الثالث من علوم الحديث هو علم متون الحديث، ومن عنايته بهذا الفن أنه رتب لنفسه دراسته على نحو ما رتبه العراقي في ألفيته..
الفن الرابع هو علم شرح الحديث وقد اعتنى الشيخ محمد سالم به فاجتهد
بمعرفته في شروح الصحيح للبخاري بالأخص فتح الباري للحافظ بن حجر وشرح
الكرماني وإرشاد الساري للقسطلاني، فهذه الشروح الثلاثة كان مهتما بها
اهتماما بالغا، وكذلك شروح الموطأ وخاصة التمهيد والاستذكار لابن عبد البر
والمنتقي للباجي وشرح محمد ولد عبد الباقي الزرقاني.
العلم الخامس من هذه السلالة هو علم الرجال، فدرس كتاب \\"الجرح والتعديل\\"
لابن حاتم الرازي، وهو من أول الكتب في علم الرجال التي اقتناها الشيخ،
وكان يحفظ تقريبا التراجم التي أوردها الذهبي في ميزان الاعتدال والتراجم
التي أوردها الحافظ بن حجر زيادة عليه في لسان الميزان.
العلم السادس من هذه السلالة علم التخريج ودراسة الأسانيد، وقد أولاها الشيخ عناية كبيرة.
ومن العلوم التي برز فيها الشيخ محمد سالم سلالة الفقه، وهذه السلالة فيها
أربعة عشر علما هي الفقه المذهبي، وقد تخصص شيخنا في المذهب المالكي ونظمه
نظما كاملا، نظم أولا مختصر خليل ثم زاد عليه بشروحه ثم زاده المدونة
والعتبية والذخيرة وغير ذلك من كتب المذهب، وهذا الشرح (كتاب) من أهم ما
فيه استدراكه على كل الكتب المالكية المطبوعة، ما فيها من الأخطاء يبينه،
من المدونة إلى مختصر خليل، وأيضا فإن كل فرع في المذهب المالكي من 120
ألف فرع يذكر أول من قال به، فإذا كان من اجتهاد مالك وخرج من دماغه يبين
ذلك في العتبية أو المدونة، وإذا لم يكن من فقه مالك يبين أول من قال به
هل هو لابن القاسم أو أشهب أو ابن نافع، وإذا لم يكن لأصحاب مالك يأتي
بأول من قال به من أصحابهم كسحنون وإذا لم يكن من هؤلاء يأتي بطلابهم
كلباد ثم ينزل إلى أن يصل إلى خليل.. وهذا الكتاب طبع الآن تقريبا وقد عكف
الشيخ حتى في مرضه الذي توفي فيه على إخراجه.
ومن المعلوم أن الشيخ محمد سالم تولى القضاء في بداية تأسيس الدولة
الموريتانية، حيث أرسل سنة 1965 ضمن بعثة إلى تونس، التي أقام فيها سنتين
أتاحت له التدرب في المحاكم التونسية والاعتناء بتوثيق الأحكام فكانت
المحكمة العليا ومحكمة الاستئناف في تونس تعهد إليه بتحرير الأحكام دون
غيره لما لمست فيه من قدرة وعبقرية، وما زال يوجد إلى اليوم سجل للأحكام
التي حررها في تلك الفترة في المحاكم التونسية.
ولدى قفوله من تونس تولى الشيخ عدود منصب نائب رئيس المحكمة الابتدائية،
التي كانت المحكمة الوحيدة في البلد من هذه الدرجة في ذلك الوقت الذي كان
القضاء الموريتاني ينقسم فيه إلى نوعين تجسدهما غرفتين للقضاء الشرعي
والوضعي، تكون رئاسة المحكمة من نصيب هذه الأخيرة.
وشغل الشيخ عدود نائب رئيس المحكمة الابتدائية مدة طويلة، عمل خلالها بصبر
وأناة على إلغاء القانون الوضعي وتهذيب ما لابد منه من القانون المدني.
وخلال هذه الفترة نظم الشيخ القانون الدولي العام والقانون الإداري في
ألفية تم طبعها كما سعى إلى تقنين الفقه المالكي وبدأ هذا المشروع وحده
إلى أن تبنته الدولة سنة 1980 ليتوج بالمساطر الإجرائية الحالية في
موريتانيا والتي من ضمنها مجلة المرافعات المدنية والتجارية.
وعين الفقيد قبل إلغاء القانون الوضعي نائبا لرئيس المحكمة العليا مدة
طويلة ثم رئيسا للمحكمة العليا بعد إلغاء القانون المذكور وهذا آخر منصب
له في القضاء.
وخلال رئاسته للمحكمة العليا التي كانت هي المسؤولة عن أداء القضاة جميعا
وتفتيشهم اعتنى بمسائل ومشاكل موروثة لم تحل قبله يعود بعضها إلى 170 سنة
تناسختها الأجيال في الميراث ولم يحلها أي قاض قبله وهذا ما يشير إليه في
شعره الشعبي الذي هو من باب الدعابة.
وقد ترك الشيخ عدود القاضي أثره وبصماته الواضحة في القضاء الموريتاني،
فبالإضافة إلى المساطر القانونية التي أشرف على إعدادها، تتلمذ عليه
العديد من القضاة النابهين الذين أخذوا عنه ولازموه.
وفي مجال الدعوة وإصلاح شأن المسلمين والذود عن حياض الإسلام كان الشيخ
يشعر في شبابه بالمرارة لسيطرة الاستعمار على البلد وعمل جاهدا على التخلص
منه وجسد ذلك في شعره حيث يقول:
كفى حزنا أن لا يزال يقودنا
على الخسف داع من دعاة جهنما
كما عمل على إصلاح التعليم عبر مشاركته في وضع المناهج التربوية في المعهد
التربوي الوطني ومدرسة تكوين المعلمين والمدرسة الوطنية للإدارة، ومشروع
جامعة نواكشوط.
وفي المجال الدعوي كان الفقيد من أوائل المحاضرين في هذا البلد في
الموضوعات الدعوية العامة، حيث اعتنى بترشيد الشباب وتهذيب الشيوخ وفي ذلك
يقول:
شكي دين الهوى ممن دهاه
بأيدي جامدين وملحدينا
شبابا يحسبون الدين جهلا
وشيب يحسبون الجهل دينا
وفي المجال الاجتماعي بالخصوص كان الشيخ من كبار المصلحين في هذا البلد
فحارب كثيرا من العادات الاجتماعية السيئة وقضى على كثير منها وكان يغير
كثيرا مما درج الناس عليه في هذه البلاد من العادات الاجتماعية المخالفة
للدين ومن ذلك قضاؤه على بدعة معروفة تعرف \\"بحل أصرر\\" وهي عادة نصرانية
لم يكن الناس يستشعرون أصلها النصراني، وكذلك بعض البدع الأخرى التي
أزالها أو تمكن من إزالتها ولو جزئيا في بعض المناطق.
ويتمتع الشيخ عدود رحمه الله بملكة عجيبة في الحفظ ورثها عن والده محمد
عالي، الذي يعرف عنه أنه كان يحفظ كل ما يسمع، والغريب أنه يحفظ ما يتناجى
به شخصان ومن ذلك أنه سمع أشخاصا يتناجون بقصائد فحفظها. وقد درب ابنه
الشيخ محمد سالم على ذلك حتى صقل هذه الملكة والموهبة.
فحدث أن اصطحب الشيخ محمد عالي ولده محمد سالم وكان يدرسه ترجمة الفاعل
وشواهد كثيرة لها، ولما جلسا قال محمد سالم لوالده لقد حفظت 50 بيتا من
هذه الشواهد في السماع الأول وأنشده إياها. وفي المجال الإنساني كان الشيخ
رقيقا حنونا إذا رأي ضعيفا أو مظلوما لم تمنعه الشجاعة المعروفة عنه من أن
تسيل دموعه ويرق لحاله، حيث كان يحضر مجالس العزاء والمناسبات الاجتماعية
وينصح الناس، رجالا ونساء، أطفالا وكبارا، ويصحب حتى من هم أصغر سنا منه،
ومثال ذلك صداقته لجمال ولد الحسن الذي كان بمثابة ولده وكذلك إبراهيم ولد
الشيخ سيديا.
وكانت لديه صداقة حميمة مع كبار السن فالمختار ولد حامد وأب ولد أن وعدد
كبير من الذين اشتركوا معه في العمل أصدقاء له رغم أن المختار كان بسن
والده.
والشيخ رحمه الله لم يكن يضربنا في تأديبه لنا وإنما كان إذا رأي من أحدنا
ما لا يرضيه يغضب غضبا شديدا حتى يجف لسانه عن الكلام ولم يضرب أحدا منا
قط.
ومن المعلوم أن محظرة الشيخ قديمة يعود تاريخ إنشائها إلى حوالي 300 سنة
كما أن والده يعتبر أحد أعلام هذه المحظرة، الذين أعطوها شهرة كبيرة. ورغم
أن الشيخ شغل عن التدريس في المحظرة، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يشغل جميع
وقته بالتدريس، حتى في الطائرة وكان رحمه الله يحب أن يستفتيه الناس ومن
ذلك قوله:
وبعضه نظمته في القاهرة
وبعضه نظمته في الطائرة
وقد سئل عن اللحوم المستوردة من أوربا فقال فيها:
تفاحة جنية لتوها
خفيفة مثل طعام جوها
وكان حينها في الطائرة والقصيدة طويلة تحمل فتوى متكاملة.
وفي فترة عمله كان له طلاب يرافقونه وكان إذا أخذ الإجازة عاد إلى المحظرة ليزاول التدريس فيها.
وكانت محظرته تستقبل طلابا من الشيشان وأذربيجان وأوربا وأمريكا ومن داخل البلاد.
وفي المحظرة الآن نساء من الجزائر ومن ليبيا يدرسن كما يدرس أزواجهن وهذه
ورثها كذلك عن والده. والشيخ محمد سالم كان يرى أن العلم حق للجميع وأنه
عبادة بذاتها كما كان والده يقول: لا فرق عندي بين الصلاة والقراءة
والتدريس فكلاهما يلزم الخشوع ويلزم أن يكون عبادة لله خالصة وكان يكره
الكلام أثناء التدريس.
انتهي كلام العلامة محمد الحسن الددو



مؤلفاته



  • مجمل اعتقاد السلف: هذه المنظومة مقدمة لنظم طويل اشتمل على ( مائة
    ألف مسألة فقهية ) على مذهب مالك وأهل المدينة في ( بضعة عشر ألف بيت ) من
    كامل الرجز ، وخاتمة جامعة لأهم الآداب والأخلاق الإسلامية في ( خمسمائة
    بيت ).

  • منظومة الشيخ خليل
  • نظم في العقيدة الإسلامية على طريقة السلف
  • نظم مختصر خليل في الفقه المالكي يزيد على عشرة آلاف بيت
  • نظم مصطلحات(فهارس وعناوين) تبصرة الحكام لبن فرحون في الفقه المالكي
  • نظم العمدة لابن قدامة الحنبلي .

وللشيخ دواوين شعرية لم تنشربعد